عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

55

معارج التفكر ودقائق التدبر

أي : قال إبليس معترفا للّه عزّ وجلّ بربوبيّته : ربّ بما أنّك حكمت عليّ بالإخراج والرّجم واللّعنة إلى يوم الدّين ، فأمهلني حيّا إلى يوم يبعثون ، وقد كان يوم البعث للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، معلوما للجنّ والملائكة قبل خلق آدم ، لأنّ الجنّ مخلوقون ممتحنين في ظروف الحياة الدّنيا قبل الإنس ، ويعلمون أنّ الجزاء يكون بعد الموت والبعث منه ، ومن اللّوازم الّتي تدرك بالعقل أنّ الجزاء لا بدّ أن يكون مسبوقا بالحساب وبفصل القضاء . * فأعطى اللّه عزّ وجلّ إبليس بعض طلبه ، ووعده بأن ينظره إلى ساعة إنهاء ظروف الحياة الدّنيا ، وإماتة كلّ ذي حياة فيها ، وجعله تبارك وتعالى من المنظرين إلى ذلك الوقت المعلوم له جلّ جلاله وعظم سلطانه ، لا إلى يوم البعث . * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 37 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 38 ) : أي : قال اللّه له : بعض ما طلبته مجاب ، فإنّك من الأحياء المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ، كجبريل ، وإسرافيل ، وميكائيل . * ولمّا استوثق إبليس من إمهال اللّه له في الحياة الأولى إلى ساعة إنهاء ظروفها ، أعلن عزمه على أن يعمل بكلّ ما أوتي من وسائل إغواء وإغراء وتزيين ، لإغواء آدم ومن يخرج اللّه منه من نسل حتّى قيام السّاعة ، إلّا من كان مخلصا أو مخلصا للّه . * قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) : قرئ : [ المخلصين ] بفتح اللّام ، أي : الّذين تستخلصهم وتصطفيهم ، فتعصمهم من الغواية ، بسبب ما فطرتهم عليه من الكمال ، لتؤهّلهم للنّبوّة والرّسالة ، أو للنّبوّة فقط .